السيد محمد حسين فضل الله

72

من وحي القرآن

وموقع ، ومجتمع يتميز بدرجاته العليا ، وامتيازاته الرفيعة . إنهم يتساءلون بهذه الطريقة ليتطلع المؤمنون إلى ما حولهم ، ليقارنوا بين مجتمع المؤمنين في بؤسه ، وضعفه ، وجهده ، ومشاكله ، وضيقه ، وبين مجتمع الكافرين في سعادته الفائضة بالسرور ، وفي قوته ، وراحته ، وسعته ، ورخاء العيش فيه ، فيتبدى لهم أن الإيمان لا يطعم أصحابه خبزا ، ولا يحقق لهم سعادة في الحياة الدنيا ، ليعرفوا أن الحق في جانب الكافرين لا في جانبهم . ولكن اللّه يريد للإنسان أن ينفذ إلى عمق الأمور بعيدا عن سطحها ، وإلى نهاياتها من دون الاقتصار على بداياتها . وهكذا أراد له أن يلتفت إلى أن الدنيا ليست نهاية المطاف في وجوده ، فهناك آخرة تحمل في ساحاتها النتائج الحاسمة لعمله في الدنيا في ما يلتزمه من خطوط الخير والشر ، والحق والباطل . . . فهناك عالم السعادة الذي يمثل العمق في حركة السعادة في وجوده ، وهناك عالم الشقاء الحقيقي الذي لا سعادة معه . وبذلك لا تكون القيمة هي في ما يحصل عليه الإنسان في الدنيا لأنها ستزول عنه ، وتزول معها كل مظاهر السعادة فيها . مصير الضالين المضلين وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ وهم الجماعات المقترنون في زمن واحد ، هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً في ما يمثله ذلك من متاع ، وَرِءْياً في ما يمثله من حسن المنظر مما أوتيه الإنسان من جمال الحياة الدنيا . فأين ذلك كله ؟ وأين أولئك الذين كانوا يعيشون متاعه وجماله ؟ ! قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ باختياره لنفسه الطريق الفكري والعملي الذي لا يتحرك في خط الهدى ، بل يعيش أجواء الضياع ، فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا في ما اقتضته حكمته من إعطائه الفرص الكثيرة التي تتيح له أن يأخذ بكل أسباب الراحة والرخاء في العيش والحياة ، مما